يحلل محرر الشؤون الإقليمية في تركيا اليوم زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة بوصفها نقطة انتقال واضحة في العلاقات المصرية–التركية، من مرحلة التهدئة السياسية إلى مرحلة التنفيذ الاقتصادي، في ظل زخم متسارع من الاتفاقات والمشاريع المشتركة التي تعكس تحوّل التقارب إلى شراكة عملية قابلة للقياس.
يظهر التحليل أن الزيارة تزامنت مع اختتام أعمال المنتدى المصري–التركي للأعمال في القاهرة، ما منحها طابعًا اقتصاديًا مباشرًا، وكرّس فكرة أن العلاقات الثنائية لم تعد تكتفي بالتصريحات، بل تتجه إلى تفعيل الاستثمارات، وتعميق التعاون الصناعي، وزيادة حجم التبادل التجاري.
من التقارب السياسي إلى التنفيذ الاقتصادي
يعكس حضور أردوغان جلسة ختام المنتدى المصري–التركي للأعمال رسالة واضحة مفادها أن أنقرة والقاهرة تسعيان إلى ترجمة المصالحة السياسية إلى أرقام ومشاريع. يؤكد أردوغان أن مصر تمثل أكبر شريك تجاري لتركيا في إفريقيا، ويعلن تطلع البلدين إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار سنويًا، معتبرًا أن التعاون الاقتصادي يدعم استقرار المنطقة ككل.
يشير الرئيس التركي إلى اهتمامه برؤية مصر 2030، ويصفها بأنها مشروع سيترك أثرًا طويل الأمد في مستقبل البلاد، بينما يشدد رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي على أهمية مضاعفة حجم التجارة الثنائية، ويؤكد أن المشاورات مع الجانب التركي أظهرت تفاهمًا واسعًا في مختلف الملفات، مع تقدير واضح لتطور العلاقات بين البلدين.
زيارات متكررة تعكس مسارًا استراتيجيًا
يقول محمد ثروت، الخبير في العلاقات المصرية–التركية، إن زيارة أردوغان الأخيرة تمثل الرابعة خلال فترة قصيرة، ما يعكس تقديرًا متزايدًا للدور المصري وحرصًا على الحفاظ على الروابط التاريخية بين البلدين. يوضح ثروت أن هذه الزيارات شملت حضور قمة الدول الثماني النامية في العاصمة الإدارية الجديدة، والمشاركة في “قمة السلام” بشرم الشيخ، إضافة إلى رئاسة مشتركة لمجلس التعاون الاستراتيجي.
يربط ثروت أهمية الزيارة بالانتقال من الرمزية السياسية إلى خطوات عملية، إذ بدأت نتائج التقارب في الظهور عبر توقيع اتفاقات للتبادل التجاري بين غرف التجارة وبورصات السلع في المحافظات المصرية ونظيراتها في الأقاليم التركية. يضع هذا المسار الأساس لتحالف اقتصادي متكامل يستهدف رفع حجم التجارة السنوية من نحو 8.8 مليارات دولار حاليًا إلى أكثر من 15 مليار دولار.
استثمارات وصناعة وتعاون يتجاوز التجارة
يدفع الجانب التركي، وفق ثروت، باتجاه توسيع استثماراته الصناعية في مصر، لا سيما في قطاع المنسوجات، مستفيدًا من تسهيلات تخصيص الأراضي وتبسيط إجراءات التراخيص. تجذب السوق المصرية الشركات التركية بسبب انخفاض كلفة الطاقة، وتوافر المواد الخام، ووجود عمالة مدرّبة بتكلفة تنافسية.
تشهد مناطق مثل مدينة السادات وبورسعيد والإسماعيلية إنشاء مجتمعات صناعية متكاملة تضم مصانع ومدارس ومساكن للعمال، ما يعزز موقع مصر كبوابة استراتيجية للصادرات التركية إلى أوروبا وإفريقيا. ولا يقتصر التعاون على الاقتصاد، إذ يشمل توطين صناعات دفاعية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة، إلى جانب تنسيق في مجالات الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي المسال.
يمتد التعاون أيضًا إلى السياحة والتعليم، مع خطط لمضاعفة عدد السياح الأتراك إلى مصر ليصل إلى 500 ألف سنويًا، وزيادة السياحة المصرية إلى تركيا، فضلًا عن بحث إنشاء جامعة تركية في مصر بالتعاون مع جامعة الزقازيق. يدعم هذا التوجه إنشاء لجنة وطنية لمتابعة الاستثمارات التركية وإزالة العقبات الإدارية.
شراكة استراتيجية أوسع وجذور اقتصادية عميقة
يصف إعلاميون مصريون التقارب الحالي بأنه ذروة الاستقرار الإقليمي، معتبرين أن حزمة الاتفاقات الأخيرة تمهّد لشراكة استراتيجية تتجاوز الأطر التقليدية، وتشمل تنسيقًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. ينظر الجانب التركي إلى القاهرة باعتبارها “البوابة الذهبية” للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية، مع اهتمام مشترك بالمشاركة في إعادة إعمار قطاع غزة.
يؤكد محللون أن العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا تمتد جذورها إلى اتفاق الشراكة الموقع عام 2005، ويشيرون إلى وجود نحو 300 شركة ومصنع تركي في مصر، توفر أكثر من 52 ألف فرصة عمل، باستثمارات تقدر بنحو 5.1 مليارات دولار. يفسر خبراء جاذبية السوق المصرية بفارق الأجور، إذ ترتفع كلفة العمالة في تركيا مقارنة بمصر، ما يدفع بعض الصناعات كثيفة العمالة إلى نقل نشاطها جنوبًا، ويفتح المجال أمام فرص صناعية جديدة، خاصة في الملابس الجاهزة والإلكترونيات.
https://www.turkiyetoday.com/region/how-analysts-view-erdogans-egypt-visit-3214066

